هاشــم صالــح
كاتب وباحث ومترجم سوري، يهتم بقضايا التجديد الدّيني ونقد الأصولية ويناقش قضايا الحداثة وما بعدها.
TT

هموم عربية بعيون فرنسية

كعادتي، أمرّ كل أسبوع أو حتى كل يومين أو ثلاثة على المكتبة العامة وسط مدينة «رانس»، لكي أرى ماذا ظهر من مستجدات في عالم الكتب. وبالفعل، يصدر كل أسبوع، أو حتى كل يوم، شيء جديد. نحن هنا في مجتمعات ديناميكية غنية جدا ماديا وثقافيا. بالطبع، فإن الكتب التي تلفت انتباهك بالدرجة الأولى هي تلك التي تتحدث عنا - نحن العرب أو المسلمين. إنه لشيء مهم أن تعرف كيف ينظر إليك الآخرون. أقول ذلك، خاصة إذا كان هؤلاء الآخرون مثقفين حقيقيين ومطلعين فعلا على شؤوننا وشجوننا.
لقد لفت انتباهي مؤخرا كتاب روبير سوليه عن أنور السادات. والمؤلف هو مثقف يهودي محترم من مواليد مصر، وفيها نشأ وترعرع قبل أن يغادرها إلى فرنسا كمعظم يهود تلك البلاد. وواضح أنه عاشق لمصر. ومَن لا يعشق مصر؟! بل من هو الذي لا يحب كل بلاد العرب؟ بول بالطا، المصري المولد أيضا، يقول إن «حب العالم العربي يسري في دمي وعروقي. من يستطيع أن ينجو من غرام العرب وعطور العرب ومجاهيل العرب؟ حتى التخلف الفوضوي جميل عند العرب! هناك حرارة عاطفية إنسانية تفتقدها في بلدان الغرب الصقيعية.
على أي حال، فإن كتاب روبير سوليه عن السادات ممتع حقا، وقد قرأته من أوله إلى آخره دون توقف، حتما توجد نقاط مظلمة في حياة هذا الرجل الذي اتهم في شبابه الأول بأشياء كثيرة، وتعرّض للسجن بضع سنوات. ولكن بدلا من أن ننقده ونرفضه على طول الخط، فلنتأمل ولو قليلا في حياته وتجربته ونهايته التراجيدية. والسؤال المطروح هو التالي: هل كان ممكنا أن ينتهي السادات بغير هذه الطريقة؟
بدلا من أن نشمت به ونستعرض بطولاتنا الفارغة، كان ينبغي أن نتواضع قليلا. لماذا؟ لأنه دفع الثمن الباهظ نيابة عنا جميعا، كان التاريخ العربي مسدودا كليا، ففتحه بشكل مفاجئ وصاعق. قد نختلف على طريقة الفتح، ولكن هذا ما حصل.
أنتقل الآن إلى كتاب ثانٍ لفت انتباهي وأمتعني فعلا. وعلى الرغم من أني لم أشتره إلا قبل يومين، فإنني التهمت منه حتى الآن صفحات عديدة. إنه عبارة عن سلسلة حوارات معمَّقة بين الفيلسوف الشهير إدغار موران والداعية الإسلامي الشهير طارق رمضان، وأين حصل الحوار؟ في مراكش! مراكش عروس الأزمان.. إنه حوار فلسفي - سياسي يستحق الاهتمام، هل هو مقدمة للمصالحة العربية - اليهودية بين قطبين كبيرين؟ مستحيل، قبل أن ينال المغدور حقوقه، وقبل أن يتوقف الطابع العدواني التوسعي للصهيونية.
بالطبع، تعرض المتحاوران الشهيران للقضية الفلسطينية. ونلاحظ أن طارق رمضان يثني على الفيلسوف موران، لأنه تجرّأ على الاعتراف بعذابات فلسطين وشعبها، وعرّض نفسه لغضب الغلاة الذين اتهموه بمعاداة السامية وهو يهودي الأصل! بل وقدموه للمحاكمة في باريس. من فصول الكتاب التي تستحق التنويه فصل عن سبب الخلل في الحضارة الغربية التي تبهر الأبصار ظاهريا. ويمكن تلخيصه بعبارة واحدة: «علم بلا أخلاق خراب للروح». عدنا إلى رابليه. هنا يكمن النقص المريع للحضارة الغربية. لقد بلغت الذروة علمياً وتكنولوجياً، ولكن لم يرافق ذلك تقدم أخلاقي على المستوى نفسه، وهذه أكبر خيبة في التاريخ. كنا نعتقد أن التقدم العلمي يرافقه بالضرورة، وبشكل أوتوماتيكي، تقدم أخلاقي، فإذا بنا نفاجأ بالعكس. قد تكون حاملا لأعلى شهادات الدكتوراه من أرقى جامعات العالم، وتافها جدا على المستوى الشخصي أو الإنساني. بل قد يكون فلاح أمي بسيط أفضل منك بألف مرة وأكثر طيبة.
إن تشخيص إدغار موران لعلة الغرب من جهة، وعلة العالم العربي الإسلامي من جهة أخرى، يبدو لي مضيئا ومقنعا؛ فالأول يعاني من أصولية مادية جشعة لا تشبع. إنها أصولية مصرفية رأسمالية مفرَّغة من أي حس إنساني، تُضاف إليها أصولية اليمين المتطرف الحاقدة على كل ما هو عربي أو مسلم. والثاني يعاني من أصولية انغلاقية وتعصب أعمى يتخذ شكل «القاعدة» أو سواها من حركات التطرف الدموية. في كلتا الحالتين، فالعالم مريض ومهدد بالمخاطر. ولكن لا ينبغي أن نستسلم لليأس. «فكلما تزايد الخطر، اقتربت أيضا لحظة الخلاص»، كما يقول الشعر الكبير هولدرلين.
أنتقل أخيرا إلى كتاب ضخم، بعنوان «الإخوان المسلمون.. آخر آيديولوجيا توتاليتارية في العالم».
في الواقع، كنت أريد شراء بعض كتب الفلسفة. وبعد أن اخترتها وحسمت أمري، فإذا بهذا الكتاب يصفعني بغلافه الجميل في أحد الأروقة، فسارعت إلى شرائه، وعدت به إلى البيت كغنيمة، لأن «الإخوان» أصبحوا موضوع الساعة. وبالتالي، فينبغي أن أستعلم عنهم إلى أقصى حد ممكن. ومؤلف هذا الكتاب قابل معظم قادتهم شرقا وغربا. وبالتالي، فكتابه عبارة عن تحريات ميدانية ومحاورات مباشرة، وليس تنظيرات مجانية في الفراغ. وفي نهاية المطاف، انتهى إلى النتيجة التالية، وهي أنهم عاجزون عن الاعتراف بالآخر أو الحوار معه بشكل طبيعي، على الرغم من كل كرم الضيافة الذي استقبلوه به. ومعظمهم تحس بوجود عنف أخرس مكبوت لديهم عندما تقابلهم أو تتحدث معهم. وهذا العنف المختلط بالآيديولوجيا الأصولية لا يزال يرن في داخل المؤلف كتهديد مبطن؛ فمن هم الإخوان المسلمون يا ترى؟ هل حقا يمثلون الجناح المعتدل في الحركة الأصولية العالمية، كما يزعم البعض؟ أم أنهم مقنّعون يتبعون مذهب التقية وازدواجية الخطاب والشخصية؟ ألم تخرج من معطفهم كل الحركات الجهادية المتطرفة؟ في كل الأحوال، فإنهم يشكلون آخر آيديولوجيا توتاليتارية في العالم بعد سقوط الشيوعية الستالينية والفاشية الأوروبية والنازية. هذه خلاصة المؤلف في نهاية أربعمائة صفحة ونيف من القطع الكبير. ونضيف أن اختطافهم لتراث الإسلام العظيم لن يستمر إلى الأبد؛ عاجلا أو آجلا سوف ينبثق تفسير آخر أكثر استنارة وتسامحا وتصالحا مع روح الأزمنة الحديثة، ومع القرآن الكريم ذاته! وعندئذ سوف تبتدئ الانطلاقة الحقيقية للعرب.